في وقت يسابق فيه العالم الزمن لتأمين مصادر الطاقة، وتكثف فيه الدولة المصرية جهودها لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص فجوة الاستيراد، يتجه هرم الاستكشافات البترولية نحو بقعة واعدة في أعماق البحر المتوسط تُدعى «حوض هيرودوت»، هذا العملاق النائم لا يمثل مجرد حقل غاز جديد، بل هو «مستقبل طاقة» يمتد على مساحة شاسعة تصل إلى 113 ألف كيلومتر مربع أسفل المياه الاقتصادية الخالصة لأربع دول محورية هي: مصر، ليبيا، قبرص، واليونان.
بالأرقام.. عملاق جيولوجي يضاهي «ليفانت»:
ويُصنف حوض هيرودوت بأنه أكبر أحواض منطقة البحر المتوسط وأهمها من الناحية الجيولوجية. ووفقاً للبيانات والتقارير الجيولوجية، فإن الحوض يحمل تشابهاً كبيراً جداً مع حوض «ليفانت» الشهير؛ إذ تُقدر كميات الغاز غير المكتشفة في أعماقه بنحو 122 تريليون قدم مكعبة، وهو رقم ضخم يفتح آفاقاً جديدة للاقتصاد الإقليمي، وإن كان يتطلب تقنيات متطورة وجهوداً استثنائية لاستخراجه من المياه العميقة.
ويحدّ حوض هيرودوت جغرافيًا من الشرق حوض «ليفانت»، ومن الجنوب الشرقي حوض «دلتا النيل»، الغني هو الآخر بالاكتشافات التاريخية.


مصر تقود ضربة البداية في المياه العميقة:
لم تقف مصر موقف المتفرج أمام هذه الثروة الكامنة، بل كانت أول دولة تبدأ خطوة التنقيب الفعلية في هذا الحوض من بين الدول الأربع التي تشترك في حدوده. وتتويجاً لهذه الجهود، اتخذت مصر خطوات استراتيجية وعملية تمثلت في:
التحالفات الدولية الكبرى: في يناير 2021، تم توقيع اتفاقية استكشاف وإنتاج لمنطقة «شمال رأس كنايس البحرية»، الواقعة في حوض هيرودوت قبالة السواحل المصرية.

ويقود هذا التحالف الدولي شركة «توتال إنرجي» الفرنسية بصفتها المشغل بنسبة (35%)، بالاشتراك مع شل العالمية (30%)، والشركة الكويتية للاستكشافات البترولية الخارجية «كوفبيك» (25%)، وشركة ثروة للبترول المصرية (10%)، بالتعاون مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس).
وصول سفن الحفر العملاقة:
شهدت خطط الحفر والتنمية دفعة قوية وملموسة مع وصول سفينة الحفر العالمية «ستينا آيس ماكس» إلى مياه البحر المتوسط، وتأتي هذه الخطوة في إطار برنامج مكثف يستهدف تنمية الاكتشافات القائمة وفتح آفاق جديدة للاستكشاف والإنتاج في المياه العميقة لحوض هيرودوت.
تحديات تقنية وفرص واعدة:
رغم الآمال العريضة التي يعقدها قطاع الطاقة على حوض هيرودوت، إلا أن الخبراء يؤكدون أن الطبيعة الجيولوجية للحوض والمياه العميقة تتطلب استثمارات ضخمة وتكنولوجيا فائقة الدقة.
ومع ذلك، فإن العائد الاقتصادي المتوقع يشكل حافزاً هائلاً لمصر وحلفائها، حيث يسهم نجاح الاستكشافات في تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي لا غنى عنه لتداول الغاز والطاقة، وتأمين احتياجات السوق المحلية لسنوات طويلة قادمة.
وتحرك مصر السريع والريادي في حوض «هيرودوت» يؤكد نظرتها الاستباقية لتأمين أمنها القومي من الطاقة، ويضعها في صدارة المشهد الجيوسياسي لشرق المتوسط، لتظل الشواطئ المصرية دائماً منبعاً للخير والثروات.



