أرسل لي أحد أصدقائي الصحفيين.. تعليق الإعلامي عمرو حافظ بشأن قضية الرشوة الأخيرة بقطاع البترول، والذي أشار فيه إلى أن العاملين بالقطاع لا يحتاجون إلى الرشوة، نظرًا لارتفاع مرتباتهم وقدرتهم على شراء السيارات.
والحقيقة أن هذا الطرح، مع كامل احترامي لشخصه وخبرته الإعلامية، يستوجب وقفة موضوعية لإنصاف آلاف العاملين الذين يستحقون أن تُناقش قضاياهم بميزان الدقة والعدل.
إن الفساد لا يعرف الغنى أو الفقر؛ بل تحكمه منظومة القيم والضمير والتربية والأخلاق، إلى جانب فاعلية الرقابة والمساءلة وتطبيق القانون. فليس كل محتاج فاسدًا، وليس كل صاحب دخل مرتفع بعيدًا عن الفساد.
وكما تعلمنا في الإدارة، فإن من أمن العقاب أساء الأدب. لذلك، فإن مواجهة الرشوة تبدأ بمحاسبة المتورطين وسد الثغرات الرقابية، لا بافتراض أن مستوى الدخل ينفي الجريمة أو يفسر دوافعها.
أما عن مرتبات العاملين بقطاع البترول، فالحمد لله أنها تساعد كثيرًا منهم على الوفاء بالتزاماتهم والحفاظ على مستوى معيشي كريم، لكن ذلك لا يعني أن جميع العاملين يتقاضون أجورًا مرتفعة أو أن مستويات دخولهم متساوية.
- فقد تحمل العاملون لسنوات إجراءات ترشيد وتقشف، وشهدت بعض الفترات إيقاف الزيادات الدورية أو تقليصها، مع استمرار مسؤولياتهم الأسرية والوظيفية.
- ومن ثم، فإن أي مقارنة عادلة يجب أن تستند إلى بيانات موثقة، لا إلى صورة ذهنية تختزل العامل البترولي في راتب مرتفع وسيارة يمتلكها.
والأهم أن هذه الصورة تتجاهل طبيعة العمل الشاقة في القطاع؛ فهناك رجال يعملون على المنصات البحرية، وفي الحقول الصحراوية ومحطات الإنتاج ومواقع المشروعات، ويتحملون مخاطر مهنية وظروفًا قاسية، ويقضون فترات طويلة بعيدًا عن أسرهم وأبنائهم، ويواصلون العمل ليلًا ونهارًا لضمان استمرار الإنتاج والمشاركة في بناء الوطن.
أما السيارة التي يُستدل بها على الرفاهية، فقد تكون بالتقسيط، وقد لا يجد صاحبها الوقت لاستخدامها بسبب طبيعة عمله وبعد مواقع الإنتاج. فالمظاهر وحدها لا تكفي للحكم على حقيقة الأوضاع المعيشية.
إننا لا ندافع عن فاسد، ولا نبرر رشوة، بل نطالب بمحاسبة كل من تثبت إدانته دون استثناء، لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول جريمة فردية إلى حكم عام على قطاع كامل.
فقطاع البترول يضم آلاف الكفاءات الفنية والهندسية والإدارية، وتعمل شركاته داخل مصر وخارجها، وتسهم في تنفيذ المشروعات وتحقيق عوائد اقتصادية وجلب العملة الأجنبية ورفع اسم مصر في الأسواق العربية والأفريقية.
أستاذ عمرو حافظ، إن الإعلام مسؤول عن تشكيل الوعي العام؛ ومن ثم فإن تناول القضايا المهنية يستوجب التمييز بين الواقعة الفردية والحكم الجماعي، وبين النقد الموضوعي والتعميم. فالقطاع ليس فوق النقد أو المساءلة، لكن النقد المنصف هو الذي يدين الفساد، ويحاسب المخطئ، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق الشرفاء وكرامتهم.
وفي النهاية، فإننا أبناء قطاع البترول نعتز بعملنا، ونؤمن بأن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بحجم الراتب وحده، بل بحجم الجهد والمخاطر والالتزام والعطاء. فنحن أبناء وطنٍ نعمل في مواقع الإنتاج بالبحر والصحراء، ونواجه التحديات من أجل استمرار العمل والإنتاج، وتحمل مسؤولياتنا تجاه أسرنا ووطننا، دون أن ننتظر سوى التقدير والإنصاف.
فالفساد لا يبرره الفقر، ولا ينفيه الغنى، والشرفاء لا ينبغي أن يدفعوا ثمن أخطاء غيرهم.




