مقالات وآراء

بقلم: د. محمد سليم سالمان

الرقم الموحد 121 للكهرباء.. تجربة سبقت التحول الرقمي 

من المشروعات التي أعتز بالمشاركة في إعدادها من البداية حتى النهاية وتشرفت برئاسة اللجنة المختصة لمتابعة تنفيذها مشروع خدمة العملاء على الرقم الموحد 121 على مستوى الجمهورية؛ ليس باعتباره مجرد مركز لتلقي المكالمات والشكاوى، وإنما باعتباره محاولة مبكرة لبناء منظومة وطنية موحدة لإدارة خدمة المشترك وقياس أداء شركات توزيع الكهرباء.

في ان واحد، ولعل لهذا المشروع بُعداً شخصياً ومهنياً أعتز به؛ فقد سبق لي اثناء زيارة ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة أن شاهدت تجربة متقدمة لمركز خدمة العملاء Customer Call Center ضمن منظومة PJM، وأعجبتني آنذاك الفكرة ومنذ ذلك الحين تمنيت أن أرى تجربة مماثلة يتم نقلها وتوطينها في قطاع الكهرباء المصري

جاء المشروع في أبريل 2016 حيث كانت الدولة تتجه بقوة إلى تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، ورفع مستوى الاستجابة للشكاوى، وتوحيد معايير الخدمة بين شركات توزيع الكهرباء التسع.

وكان الهدف منذ البداية أن يكون للمواطن رقم واحد يستطيع من خلاله الإبلاغ عن الأعطال، وتقديم الشكاوى التجارية، والاستفسار عن الخدمات والفواتير والمديونيات وكروت الشحن وإجراءات تركيب العدادات وغيرها من الخدمات، بدلاً من تعدد قنوات الاتصال واختلاف أساليب التعامل من شركة إلى أخرى. 

لم يكن مجرد Call Center

القيمة الحقيقية للمشروع لم تكن في تخصيص الرقم 121، وإنما في بناء دورة عمل متكاملة تبدأ من استقبال البلاغ، ثم تسجيله وتصنيفه وإحالته إلى الشركة المختصة، ومنها إلى الإدارات والهندسات ومراكز الدعم الخلفي، مع المتابعة والتصعيد في حالة التأخر، وانتهاءً بغلق البلاغ والتحقق من مستوى الخدمة.

وكان من أهم عناصر التصميم أن البيانات لا تنتهي عند موظف مركز الاتصال؛ بل تنتقل إلى الجهات التنفيذية داخل شركات التوزيع، وهو ما جعل المشروع أداة لإدارة الأداء وليس مجرد وسيلة لتلقي الشكاوى.

التعهيد إلى شركة مصرية متخصصة ذات مستوى عالمي

ومن النقاط المهمة في تجربة المشروع أنه تم تنفيذه وفق نموذج التعهيد Outsourcing، حيث أُسند تقديم الخدمة إلى شركة مصرية متخصصة في خدمات العملاء ومراكز الاتصال، والمملوكة بالكامل للشركة المصرية للاتصالات والتابعة لوزارة الاتصالات .

وقد أتاح هذا النموذج الاستفادة من خبرة متخصصة في تشغيل مراكز الاتصال وفق مستويات خدمة ومعايير أداء واضحة، مع إبقاء المسؤولية الفنية والتنفيذية عن حل المشكلات لدى شركات توزيع الكهرباء.

والفكرة هنا كانت مهمة للغاية: الفصل بين استقبال البلاغ ومراقبة جودة الخدمة من ناحية، وبين الجهة المسؤولة عن التنفيذ من ناحية أخرى، بما يعزز الشفافية وإمكانية القياس والمقارنة بين الشركات.

خطة تنفيذ على أربع مراحل

تم تنفيذ المشروع على أربع مراحل لتغطية شركات توزيع الكهرباء التسع، بدايةً من جنوب القاهرة، ثم شمال القاهرة والإسكندرية، ثم شمال الدلتا وجنوب الدلتا والقناة، وأخيراً مصر الوسطى ومصر العليا والبحيرة.

الرقم الموحد 121 للكهرباء
الرقم الموحد 121 للكهرباء

وكانت مدة التنفيذ المخططة نحو 135 يوماً، إلا أن فرق العمل نجحت في ضغط البرنامج الزمني وإطلاق بعض المراحل قبل الموعد التعاقدي، بعد اكتساب الخبرة من المراحل الأولى وارتفاع درجة التنسيق بين الشركة القابضة وشركة التشغيل وشركات التوزيع. كما تم التعامل مع الطاقة التشغيلية بصورة مرنة؛ فعندما أظهرت بيانات التشغيل الفعلية أن عدد المكالمات أقل من التوقعات الأولية، تم تقليل عدد المقاعد المستخدمة بدلاً من تحمل تكلفة غير ضرورية، مع الإبقاء على إمكانية زيادتها عند الحاجة.

وهذه واحدة من أهم قواعد إدارة المشروعات: أن تتغير الموارد وفق البيانات الفعلية، لا أن تتحول التقديرات الأولية إلى أرقام ثابتة لا يجوز تعديلها.

شبكة متابعة تمتد إلى جميع شركات التوزيع

تم إنشاء منظومة ربط بين مركز خدمة العملاء ومراكز الدعم الخلفى ـBack Office بشركات الكهرباء باستخدام شبكات الاتصال والـMPLS/VPN، كما تم إنشاء نحو 1000 حساب مستخدم لموظفي شركات التوزيع والإدارة لمتابعة البلاغات واستخراج التقارير.

وامتدت المنظومة إلى 788 مراقبة تجارية وهندسة داخل شركات التوزيع التسع، بما سمح نظرياً بتتبع البلاغ حتى الوحدة التنفيذية المسؤولة عنه، وليس الاكتفاء بمعرفة الشركة التي وردت منها الشكوى. 

وهذه النقطة بالتحديد كانت من أكثر عناصر المشروع أهمية: تحويل شكوى المواطن إلى بيانات تشغيلية يمكن استخدامها في تقييم أداء الشركة والمنطقة والهندسة.

من الشكوى إلى مؤشر أداء

احتوت المنظومة على مجموعة واسعة من التقارير، منها سرعة حل البلاغات الفنية، وسرعة التعامل مع الشكاوى التجارية، وتقارير الأداء لكل شركة، وأنواع الأعطال، والبلاغات التي تجاوز إصلاحها ساعة ونصف أو ثلاث ساعات، ومتوسط زمن الإصلاح، وتصنيف الأعطال حسب الهندسات والأكواد وغيرها.

وقد تضمن التطبيق 16 تقريراً تشغيلياً أساسياً بالإضافة إلى تقارير دورية أخرى. كما اهتم المشروع بما يمكن تسميته اليوم Customer Experience؛ حيث تمت متابعة عينة من العملاء بعد غلق البلاغ للتحقق مما إذا كانت المشكلة قد حُلت بالفعل، بدلاً من الاكتفاء بأن يظهر البلاغ على النظام باعتباره مغلقاً.  

وهذه الفلسفة ما زالت في رأيي من أهم ما يحتاج إليه قطاع الخدمات:البلاغ لا يُعتبر ناجحاً لأنه أُغلق إلكترونياً، وإنما عندما يتأكد حل المشكلة لدى المواطن.

مشروع يخدم المواطن والاستثمار معاً

وجود منظومة تستطيع قياس زمن الاستجابة، ومدة الإصلاح، ومستوى أداء شركات التوزيع، ومواقع تكرار الأعطال، يمثل قيمة لا تقتصر على خدمة المواطن فقط. فجودة واستمرارية التغذية الكهربائية وسرعة التعامل مع المشكلات من العوامل المهمة في بيئة ممارسة الأعمال وجذب الاستثمار.

وقد جاء المشروع خلال مرحلة اهتم فيها قطاع الكهرباء بتحسين مستوى الخدمة والمؤشرات المرتبطة بأداء المرفق، وهو ما تزامن مع تحسن مصر لاحقاً في بعض المؤشرات الدولية المتعلقة بخدمات الكهرباء وبيئة الأعمال.

المطلوب اليوم: تطوير 121 وليس تشتيت البيانات

وبعد سنوات من هذه التجربة، فإن ما أتمناه هو أن تنظر وزارة الكهرباء وشركاتها إلى منظومة 121 باعتبارها أصلاً رقمياً يمكن البناء عليه وتطويره، وليس مجرد مشروع سابق يمكن تجاوزه بإنشاء نظم موازية ومتعددة. فالخطر في تعدد المنظومات ليس فقط التكلفة المالية، وإنما تشتت البيانات والإحصاءات.

عندما يصبح للشركة أكثر من نظام للشكاوى، ونظام آخر للبلاغات، وتطبيق منفصل لخدمات المشتركين، ومنصة أخرى للأعطال، قد نجد أمامنا عدة أرقام مختلفة لنفس المؤشر، ويصبح من الصعب تحديد ما العدد الحقيقي للشكاوى؟ ما متوسط زمن إصلاح الأعطال؟ كم بلاغاً تم حله بالفعل؟ وما المصدر المعتمد للبيانات عند تقييم أداء الشركات؟

في إدارة المرافق الحديثة، مصدر البيانات الموحد Single Source of Truth أصبح ضرورة إدارية قبل أن يكون مسألة تكنولوجية.

ومن ثم فإن الاتجاه الأفضل في رأيي هو أن يتم تطوير المنظومة الحالية ودمج القنوات الجديدة معها، بحيث يدخل اتصال 121، وتطبيق الهاتف المحمول، والموقع الإلكتروني، ووسائل التواصل الرقمية، وبلاغات العدادات الذكية في قاعدة بيانات موحدة، وليس في جزر معلومات منفصلة.

وما أتمناه اليوم هو البناء على ما تم إنجازه وتحديثه تكنولوجياً وإدارياً، بدلاً من إنشاء منظومات مرادفة قد تتوه بينها البيانات والإحصائيات والمسؤوليات.

وهذا، في النهاية، هو معنى التحول الرقمي الحقيقي في مرافق الخدمات العامة.

د. محمد سليم خبير الطاقة
د. محمد سليم خبير الطاقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى