خلال السنوات الأخيرة، أكدت في أكثر من مناسبة أهمية زيادة مساهمة الطاقة النووية في مزيج الطاقة المصري، في إطار استراتيجية الطاقة 2024 مع ضرورة تنويع الخيارات التكنولوجية وعدم الاقتصار على المفاعلات النووية الكبيرة، بل دراسة إدخال المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs)، إلى جانب مواصلة تطوير البرنامج النووي المصري.
ومن هذا المنطلق، فإن اهتمام مصر بالتعاون في مجال المفاعلات النووية الصغيرة والعائمة، الذي عبّر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مباحثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة الروسية الأفريقية في موسكو يوم 28 أكتوبر 2026، يمثل فرصة مهمة تستحق الدراسة والتقييم، خاصة في ضوء الخبرة الروسية في تطوير وتشغيل المحطات النووية العائمة.
كما أن دراسة إمكانات التوسع المستقبلي في موقع الضبعة، سواء بإضافة وحدات نووية كبيرة أو باستضافة مجمع من المفاعلات الصغيرة، تستحق الاهتمام، شريطة أن تستند إلى الدراسات الفنية والبيئية ومتطلبات الأمان والترخيص، وأن تكون جزءًا من رؤية متكاملة لمستقبل الطاقة في مصر.
وفي هذا السياق، أرى أهمية تناول خمسة محاور رئيسية عند تقييم هذه التكنولوجيا وفرص الاستفادة منها.
⚫ أولًا: فرص الاستخدام والتطبيقات المستقبلية
تتيح المفاعلات النووية الصغيرة، والمحطات النووية العائمة على وجه الخصوص، فرصًا متنوعة لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر وتوفير الطاقة للمناطق الساحلية والنائية، وكذلك للمناطق الصناعية التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الكهرباء والطاقة الحرارية.
وتتميز المحطات العائمة بإمكانية نقلها وتركيبها في مواقع ساحلية مناسبة، دون الحاجة إلى إنشاء جميع المنشآت النووية والمدنية على اليابسة، وهو ما قد يوفر بعض الوقت في تنفيذ المشروعات، وفقًا لطبيعة التصميم ومتطلبات الموقع.
وقد تكون هذه التكنولوجيا مناسبة للدول أو المناطق التي تواجه صعوبات في إنشاء محطات نووية تقليدية، أو تحتاج إلى حلول مرنة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وتحلية المياه.
ومن المهم التمييز بين المفاعلات الصغيرة المعيارية والمحطات النووية العائمة؛ فليست كل المفاعلات الصغيرة عائمة، إذ توجد تصميمات برية وأخرى عائمة، ولكل منها خصائصها ومتطلباتها الفنية والاقتصادية.
⚫ ثانيًا: نقل التكنولوجيا والتوطين الصناعي
يمثل نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية أحد أهم المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار أي تكنولوجيا نووية جديدة.
وقد أتاح مشروع محطة الضبعة فرصة مهمة
- لتعزيز مشاركة الشركات المصرية في تنفيذ المشروعات النووية
- وبناء الخبرات الهندسية والصناعية
- وتأهيل الكوادر البشرية، بما يدعم تأسيس قاعدة وطنية قادرة على المشاركة في تنفيذ وتشغيل المشروعات المستقبلية.
وفي المقابل، قد تعتمد بعض نماذج المحطات النووية العائمة على تصنيع الوحدة النووية وتجهيزها وتشغيلها بواسطة الشركة المالكة أو المشغلة، ثم نقلها إلى الدولة المستفيدة وفق نظام تعاقدي محدد.
وقد يؤدي هذا النموذج، إذا طُبق بصيغة تسليم متكامل أو تسليم المفتاح ، إلى تقليل فرص المشاركة المحلية في بعض المكونات الرئيسية، خاصة الجزيرة النووية والمنشآت البحرية المتخصصة.
ومع ذلك، تظل هناك فرص مهمة للتوطين في الأعمال المدنية والمساندة، والربط الكهربائي، والخدمات الهندسية واللوجستية، والصيانة والتشغيل والتدريب، وبعض مكونات الأنظمة المساعدة.
ومن هنا، ينبغي أن تتضمن اتفاقيات التعاون برامج واضحة لنقل المعرفة، والتصنيع وتدريب الكوادر المصرية، وزيادة المكون المحلي، وتوسيع مشاركة الشركات والجامعات ومراكز البحث العلمي.
⚫ ثالثًا: احتياجات الشبكة الكهربائية المصرية:
ينبغي أن يستند قرار إضافة قدرات نووية جديدة إلى تقييم شامل للاحتياجات المستقبلية للشبكة الكهربائية، وليس فقط إلى حجم الطلب الحالي.
فمصر لا تعاني حاليًا من عجز عام في قدرات التوليد، لكن الطلب على الكهرباء مرشح للنمو مع التوسع العمراني والصناعي، وزيادة الاستثمارات، ومشروعات تحلية المياه، ومراكز البيانات والتوسع في استخدام الكهرباء في قطاعات النقل والصناعة.
ولذلك يجب أن تأخذ الدراسات في الاعتبار تطور الأحمال حتى عام 2040 وما بعده، والتوزيع الجغرافي لمراكز الاستهلاك، وقدرات شبكات النقل، واحتياطيات التوليد، ومدى استيعاب الشبكة لمصادر الطاقة المتجددة، ومتطلبات التخزين وتحقيق الاستقرار والتشغيل الآمن للشبكة.
وتتميز المفاعلات النووية الكبيرة، مثل: وحدات محطة الضبعة، بقدرات إنتاجية مرتفعة وتشغيل مستقر، بينما تتيح المفاعلات الصغيرة خيارات أكثر تنوعًا من حيث حجم الوحدة وموقعها وتطبيقاتها ومرونة تشغيلها.
ومع ذلك، فإن مرونة تشغيل منظومة الكهرباء لا ترتبط بمصدر التوليد منفردًا، بل بكفاءة إدارة الشبكة وتكامل مصادر الطاقة والتخزين والتحكم في الأحمال.
⚫ رابعًا: التحديات القانونية والمسؤولية عن الحوادث النووية
من واقع مشاركتي في مناقشات متخصصة حول مستقبل المحطات النووية العائمة في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا، أذكر أن أحد النماذج التي طُرحت آنذاك كان يقوم على تأجير المحطات النووية العائمة لدول تحتاج إلى قدرات إضافية لتلبية الطلب الموسمي أو ذروة الاستهلاك، مع احتفاظ الشركة المالكة أو المشغلة بالوحدة وتشغيلها.
وقد أثار هذا النموذج تساؤلًا قانونيًا مهمًا حول تحديد الطرف الذي يتحمل المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية، في حالة وقوع حادث نووي – لا قدر الله – داخل الدولة المستضيفة: هل تكون المسؤولية على الدولة المستأجرة، أم على الشركة المالكة والمشغلة؟
وشهدت إحدى المناقشات اختلافًا في وجهات النظر حول هذه المسألة، واستُدعي متخصصون من مكتب الشؤون القانونية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية (OLA) للمشاركة في بحثها، وأُشير إلى أن المسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة القانونية.
وتقوم الاتفاقيات الدولية الأساسية للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية على تركيز المسؤولية في مشغل المنشأة النووية، باعتبارها مسؤولية موضوعية لا تتطلب إثبات الخطأ، وحصرية في مواجهة المطالبات التي تنظمها تلك الاتفاقيات، مع مراعاة حدود المسؤولية والاستثناءات والأحكام الخاصة بكل اتفاقية.
ومن هنا، تبرز أهمية تحديد هوية المشغل قانونيًا في نماذج التأجير والفصل الواضح بين الملكية والتشغيل ودور الدولة المستضيفة، إلى جانب تنظيم التأمين والتعويضات وخطط الطوارئ، وضمان التوافق مع الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية ذات الصلة.
⚫ خامسًا: الجدوى الاقتصادية والاعتبارات البيئية والبدائل التكنولوجية:
لا ينبغي أن يقتصر تقييم المحطات النووية العائمة على تكلفة إنشاء الوحدة أو سعر الكهرباء المعلن، بل يجب عمل دراسة جدوي متكاملة وأن تشمل دراسة التكلفة الكلية طوال العمر التشغيلي، بما في ذلك التمويل والتصنيع والنقل والتركيب والتشغيل والصيانة والوقود وإعادة التزود به، وإدارة الوقود المستهلك والنفايات، والتأمين وإنهاء الخدمة.
كما ينبغي دراسة الاعتبارات البيئية والبحرية، مثل سلامة الرسو والتثبيت، والتآكل البحري، ومخاطر التصادم، والظروف الجوية القاسية وارتفاع الأمواج والفيضانات، وتأثير الحوادث المحتملة على البيئة البحرية والسواحل، فضلًا عن متطلبات الأمن والسلامة وخطط الطوارئ.
وفي المقابل، يجب أن تشمل المقارنة المفاعلات الصغيرة البرية، وليس المحطات العائمة والمفاعلات الكبيرة فقط، باعتبارها خيارًا قد يوفر مزايا مختلفة من حيث الموقع والتكامل مع الشبكة وفرص التوطين الصناعي.
والهدف ليس تفضيل تكنولوجيا على أخرى بصورة مسبقة، وإنما اختيار البديل الذي يحقق أفضل توازن بين الاحتياجات الوطنية والجدوى الاقتصادية ومتطلبات الأمان ونقل التكنولوجيا والقيمة المضافة للاقتصاد المصري.
🟠 التكنولوجيا وسيلة لتحقيق التنمية
إن اهتمام مصر بدراسة المفاعلات النووية الصغيرة البرية والعائمة يمثل توجهًا إيجابيًا نحو تنويع مصادر الطاقة والاستفادة من التطور التكنولوجي العالمي، ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الدولي.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب رؤية متكاملة لا تكتفي بالحصول على قدرات إضافية لتوليد الكهرباء:
- بل تستهدف أيضًا بناء القدرات الوطنية
- وتعظيم مشاركة الصناعة المصريى
- ونقل المعرفة والتكنولوجي
- وضمان أعلى مستويات الأمان والسلامة
- وتحقيق الجدوى الاقتصادية على المدى الطويل.
ويظل مشروع محطة الضبعة ركيزة أساسية في البرنامج النووي المصري، وفرصة استراتيجية لبناء الخبرات والقدرات الوطنية التي يمكن البناء عليها عند دراسة خيارات التوسع المستقبلية، سواء بوحدات نووية كبيرة إضافية أو بمفاعلات صغيرة معيارية، وفقًا لما تسفر عنه الدراسات الفنية والاقتصادية.
فتكنولوجيا الطاقة النووية ليست غاية فقط بل وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز أمن الطاقة، وتعظيم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وضمان استدامة إمدادات الكهرباء واستقرار تكلفتها على المدى الطويل.
بقلم أ.د. أمجد الوكيل
رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء الأسبق




