مقالات وآراء

«رؤيـــة بـتــرولــيــة»

بقلم د/ أحمد علاء الدين الملا  مدير عام مساعد تخطيط القوي العاملة بشركة مصر للبترول

«الكوادر الشبابية.. رهان قطاع البترول على المستقبل»

«في كل مؤسسة ناجحة، هناك دائمًا سؤال مهم يجب أن نطرحه: من سيحمل المسؤولية غدًا؟»

هذا السؤال تزداد أهميته في قطاع البترول، الذي يمتلك تاريخًا طويلا من الخبرات والكفاءات التي أسهمت في بناء هذا القطاع وتطويره على مدار سنوات. وهذه الخبرات تمثل ثروة لا تقدر بثمن، لكن الحفاظ على نجاح المسيرة يتطلب أن تنتقل هذه الخبرات إلى جيل جديد قادر على استكمال الطريق وتطويره.

وهنا تأتي أهمية الكوادر الشبابية.

فالشباب ليسوا فقط مستقبل القطاع، بل هم جزء أساسي من حاضره. لديهم الطاقة والرغبة في التعلم، والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا، والأفكار الجديدة التي قد تسهم في تحسين أساليب العمل. ولكن هذه الطاقات تحتاج إلى من يكتشفها ويوجهها ويمنحها الفرصة.

ويأتي هذا الاهتمام بالكوادر الشبابية في إطار توجه الدولة المصرية وحرص القيادة السياسية على الاستثمار في الإنسان المصري، باعتباره الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وبناء المستقبل، مع التأكيد المستمر على تمكين الشباب وتأهيلهم وإعدادهم لتولي المسؤولية.

كما يحظى ملف تطوير العنصر البشري داخل قطاع البترول باهتمام واضح من معالي وزير البترول والثروة المعدنية، من خلال التوجيه المستمر بأهمية التدريب ورفع كفاءة العاملين، واكتشاف الكفاءات الشابة وإعداد صفوف جديدة من الكوادر القادرة على تحمل المسؤولية ومواكبة التطورات المتلاحقة التي يشهدها قطاع البترول.

وهذا التوجه يؤكد أن تطوير الإنسان داخل القطاع لم يعد خيارا، وإنما أصبح ضرورة حقيقية تتطلب العمل المستمر على بناء القدرات، وربط التدريب باحتياجات العمل الفعلية، وإتاحة الفرصة أمام الشباب لإثبات قدراتهم والمشاركة في مسيرة التطوير.

ومن هنا يصبح التدريب استثمارا وليس مجرد نشاط.

فالتدريب الحقيقي لا يقاس بعدد البرامج أو عدد المشاركين فيها، وإنما بما ينعكس على أداء العامل بعد عودته إلى موقع عمله. هل أصبح أكثر قدرة على حل المشكلات؟ هل أصبح أكثر كفاءة في أداء مهامه؟ هل اكتسب مهارة جديدة؟ وهل يستطيع أن يشارك بخبرته مع زملائه؟

  • إذا كانت الإجابة بنعم، فنحن أمام تدريب ناجح.

فالعامل في قطاع البترول اليوم يحتاج إلى تطوير متكامل؛ فالمعرفة الفنية وحدها لم تعد كافية. نحن بحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والتعامل مع التكنولوجيا والتغيير، إلى جانب الخبرة الفنية التي يتطلبها كل تخصص.

ولكن هناك جانبا آخر لا يقل أهمية عن التدريب، وهو اكتشاف الكفاءات.

ففي مواقع العمل المختلفة يوجد الكثير من المتميزين الذين قد لا تتاح لهم الفرصة لإظهار قدراتهم بالشكل الكافي. وقد تكون لدى أحد الشباب فكرة بسيطة لتطوير إجراء أو حل مشكلة متكررة، لكنها تحتاج فقط إلى بيئة تستمع إليها وتشجع صاحبها على تنفيذها.

  • لذلك، فإن بناء منظومة حقيقية للكوادر الشبابية يجب أن تبدأ من اكتشاف الموهبة، ثم تطويرها، ثم منحها الفرصة، ثم تقييم نتائجها.

كما أن إعداد القيادات المستقبلية لا يجب أن يبدأ عندما يصبح المنصب شاغرا، بل يجب أن يبدأ قبل ذلك بسنوات. وهذا هو جوهر التخطيط الجيد للتعاقب الوظيفي؛ أن نكون مستعدين للمستقبل، وأن يكون لدينا دائمًا صف ثانٍ وثالث قادر على تحمل المسؤولية.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الشباب وأصحاب الخبرات علاقة تنافس، وإنما علاقة تكامل.

فالخبرة تعرف تفاصيل الطريق، والشباب يمتلكون طاقة السير فيه وتطويره. الخبرة تقدم الدروس التي صنعتها السنوات، والشباب يقدمون أفكارًا تتناسب مع متطلبات المستقبل. وعندما يلتقي الاثنان، تتحول الخبرة إلى معرفة تنتقل، والطاقة إلى إنجاز يتحقق.

والأهم أن يشعر كل عامل بأن الكفاءة والتميز والاجتهاد لها قيمة حقيقية، وأن من يطور نفسه ويثبت قدرته يمكن أن يجد فرصة للنمو وتحمل المسؤولية.

إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر أهمية واستدامة. فالتكنولوجيا تتغير، والمعدات تتطور، ونظم العمل تتحدث، لكن الإنسان يظل هو العنصر الذي يصنع الفرق الحقيقي.

لذلك، فإن الاهتمام بالكوادر الشبابية والتدريب واكتشاف الكفاءات ليس مسؤولية إدارة واحدة فقط، وإنما مسؤولية مشتركة بين القيادات والعاملين والشباب أنفسهم، وهو في الوقت ذاته جزء من توجه أوسع للدولة المصرية نحو بناء الإنسان وتمكين الشباب والاستثمار في الكفاءات الوطنية.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا داخل قطاع البترول أن نحول هذه التوجيهات إلى واقع ملموس داخل مواقع العمل، من خلال اكتشاف المتميزين، وتطوير قدراتهم، ونقل خبرات الأجيال، وإعداد صفوف متتالية من الكفاءات القادرة على استكمال مسيرة القطاع وتحقيق أهدافه.

رسالتنا للشباب: لا تنتظر الفرصة فقط، استعد لها.

  • ورسالتنا لأصحاب الخبرات: انقلوا خبراتكم، فالمعرفة التي لا تنتقل تنتهي بانتهاء أصحابها.
  • ورسالتنا للقيادات: اكتشفوا المتميزين، امنحوهم الفرصة، واصنعوا قيادات الغد من داخل مؤسساتكم اليوم.

فالمستقبل لا يُبنى عندما يأتي، وإنما يُبنى من الآن.

فنحن نكتشف اليوم لنقود غدًا.. لأن بناء الكوادر الشبابية ليس مجرد إعداد للمستقبل، بل هو استجابة لتوجه الدولة، وترجمة لتوجيهات القيادة السياسية ووزارة البترول، وحماية لاستمرارية النجاح وصناعة لمستقبل أقوى لقطاع البترول.

د/ أحمد علاء الدين الملا  مدير عام مساعد تخطيط القوي العاملة بشركة مصر للبترول
د/ أحمد علاء الدين الملا 
مدير عام مساعد تخطيط القوي العاملة بشركة مصر للبترول

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى