
تتوالى الأعباء المعيشية على المواطن المصري يوما بعد يوم وسط ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، لتصبح مواجهة متطلبات الحياة اليومية معركة حقيقية.
فخلال الفترة الأخيرة، وجد المواطن نفسه في مواجهة موجات متتالية من زيادات أسعار الكهرباء، والتي شملت الارتفاع الأخير بنسبة 12%؛ فضلاً عن تطبيق شرائح تسعير إضافية على المحال التجارية في أوقات الذروة وما يتبعها من ارتفاع تكلفة السلع.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل ارتفاع أسعار الخدمات بكافة أشكالها، وزيادة تكلفة العدادات الكودية للمواطنين الباحثين عن العيش القانوني، كل ذلك بالتوازي مع ثبات الدخل وعدم وجود زيادات موازية تتناسب مع هذا الغلاء المستمر ومواكبة موجات التضخم.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في التحول الجذري لمؤسسات أساسية مثل: الكهرباء والمياه والاتصالات؛ فبدلاً من كونها مؤسسات خدمية ترعى حقوق المواطنين، تحولت إلى كيانات تهدف للربح البحت وتمارس احتكاراً فظاً لسلع أساسية لا يستطيع أي مواطن الاستغناء عنها.
فالكهرباء والمياه ليست سلعاً كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل هي عصب الحياة لمرضى يحتاجون الأجهزة الطبية، ولطلاب يعلمون ويدرسون.
إن تحويل هذه المرافق إلى أدوات ضغط ربحية بشكل سريع وفي وقت قصير يهدد بكارثة اجتماعية كبرى، خصوصاً وأن زيادة أسعار الكهرباء في ظل وجود جهة أو شركة واحدة متحكمة تعد ممارسة احتكارية ظالمة لا يمكن الحياة في ظل هذا الوضع.
حين يصل الضغط المادي والنفسي برب الأسرة أو الشاب إلى طريق مسدود، وحين تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة أبسط مقومات الحياة، فإن النتائج تكون مدمرة على السلم الاجتماعي.
إن عجز المواطن عن تلبية الاحتياجات الضرورية يفتح الباب واسعاً أمام ظواهر خطيرة مثل انتشار التسرب من التعليم، وزيادة حالات الطلاق، وعزوف الشباب عن الزواج، بل ويؤدي إلى تراجع الانتماء الوطني.
والأدهى من ذلك أن هذا الضغط القاسي قد يدفع بالمواطن الصالح كرها إلى ارتكاب الجريمة والسرقة واختراق القانون لمجرد توفير النور والماء والقدرة على مواصلة الحياة كما صرح به أحد الإعلاميين الكبار مؤخرا من انتشار سرقة التيار الكهربائي نتيجة عدم القدرة من دفع الفواتير.
إن الاعتماد المستمر على الأساليب القديمة في سد الفجوات التمويلية عبر تحميل المواطن هذه الأعباء الضخمة يهدد الطبقات الاجتماعية ويدفع بها نحو الفقر والجهل مما يهدد بانهيار السلم الاجتماعي الذي ينشده المجتمع، كما أنه ينعكس سلباً على ملفات تنموية كبرى مثل «التصالح في مخالفات البناء»، الذي يفقد معناه وجدواه في ظل تراجع الدعم وارتفاع تكاليف المعيشة.
إن هناك حاجة ماسة وملحة لإعادة النظر في هذه السياسات، والبحث عن حلول إدارية واقتصادية مبتكرة لتعظيم موارد الدولة وحل مشاكلها بعيداً عن إرهاق جيب المواطن، حمايةً للسلم الاجتماعي وصيانةً لكرامة الإنسان واستقرار الوطن.

