في المقال السابق تحدثنا عن أهمية أن نبحث عن الموهبة قبل أن نبحث عن الوظيفة، وأن المؤسسة الناجحة لا تنتظر احتياجها للكفاءة حتى تبدأ في البحث عنها.
لكن ماذا لو كانت الموهبة موجودة بالفعل داخل المؤسسة؟
هنا يبدأ تحدٍ جديد:
كيف نحافظ عليها؟
فقد تنجح المؤسسة في اكتشاف موظف متميز، وتستثمر في تدريبه وتطويره، ثم تكتشف بعد فترة أنه لم يعد لديه نفس الحماس، أو بدأ يبحث عن فرصة أخرى.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل:
هل المشكلة في الموهبة؟ أم في البيئة التي تعمل فيها؟
أولًا.. افهم ما الذي يريده الموهوب
ليس كل موظف يبحث عن نفس الشيء.
- هناك من يريد فرصة للتعلم، وآخر يبحث عن مسؤولية أكبر، وثالث يهتم بالتقدير، ورابع يريد مسارًا واضحًا للتطور.
- لذلك فإن الاحتفاظ بالمواهب يبدأ من الاستماع إليها وفهم احتياجاتها وطموحاتها.
أحيانًا يكون الحوار الصادق مع الموظف أهم من عشرات الإجراءات.
ثانيًا.. أعطه فرصة حقيقية
من أكثر الأشياء التي تفقد الموظف المتميز حماسه أن يشعر أنه يمتلك قدرات، لكن لا توجد فرصة لاستخدامها.
الموهبة تحتاج إلى مساحة تتحرك فيها.
تكليف بمشروع، قيادة فريق، المشاركة في اتخاذ القرار، تجربة مهمة جديدة، أو حتى منحه فرصة لطرح فكرة وتنفيذها.
فالإنسان عندما يشعر أن قدراته لها قيمة، يصبح أكثر ارتباطًا بالمكان الذي يمنحه هذه الفرصة.
ثالثًا.. التدريب وحده لا يكفي
قد يحصل الموظف على العديد من البرامج التدريبية، لكن إذا عاد بعدها إلى نفس البيئة دون فرصة لتطبيق ما تعلمه، فلن يشعر بقيمة التطوير.
التدريب الحقيقي يجب أن يتبعه:
تطبيق.. تجربة.. مسؤولية.. ثم تقييم.
وهنا يتحول التدريب من نشاط إلى استثمار حقيقي في الموهبة.
رابعًا.. التقدير ليس دائمًا ماديًا
بالتأكيد المقابل المادي العادل مهم، لكن التقدير له أشكال أخرى.
كلمة شكر أمام الفريق، إشادة بإنجاز، إسناد مهمة مهمة، إشراك الموظف في مشروع، أو منحه فرصة للتعلم والتطور.
أحيانًا يكون أهم ما يحتاجه الموظف هو أن يشعر أن ما يقدمه يراه أحد ويقدره.
خامسًا.. اصنع له مستقبلًا داخل المؤسسة
الموظف المتميز يريد أن يعرف:
إلى أين يمكن أن أصل هنا؟
إذا لم يجد إجابة واضحة، فقد يبدأ في البحث عن مستقبله في مكان آخر.
وهنا تظهر أهمية المسارات الوظيفية، والتطوير المستمر، والتعاقب الوظيفي.
فالموظف الذي يرى أن المؤسسة تفكر فيه ضمن مستقبلها، يشعر غالبًا أن له مستقبلًا داخلها.
سادسا.. لا تجعل المدير سببًا في فقدان الموهبة
قد تخسر المؤسسة موظفًا متميزًا ليس بسبب الوظيفة أو الراتب، وإنما بسبب أسلوب الإدارة.
المدير الذي لا يستمع، ولا يعطي فرصة، ولا يعترف بالإنجاز، ولا يسمح بالتطور، قد يدفع الموهبة إلى البحث عن مكان آخر.
ولهذا فإن الاحتفاظ بالمواهب مسؤولية قيادية قبل أن يكون مسؤولية الموارد البشرية.
وفي النهاية..
استقطاب الموهبة إنجاز.
وتطويرها إنجاز أكبر.
لكن الحفاظ عليها هو الاختبار الحقيقي.
لأن المؤسسة لا تستفيد من الموهبة فقط عندما توظفها، وإنما عندما تجعلها تنمو وتشارك وتتعلم وتستمر.
ولهذا لا يجب أن نسأل فقط:
كيف نحصل على أفضل المواهب؟
بل يجب أن نسأل أيضًا:
ماذا نفعل حتى لا نخسرها؟
فالموهبة قد تأتي إلى المؤسسة بسبب فرصة…
لكنها تستمر عندما تجد تقديرًا، وتطورًا، ومساحة للإبداع، ومستقبلًا واضحًا.
استقطاب المواهب بداية الطريق.. أما الحفاظ عليها فهو ما يصنع الفارق.



